عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

5

اللباب في علوم الكتاب

قلنا : هذا القدر لا ينافي العموم ، ولا يقتضي تخصيصه ؛ بل الأقرب أن يكون الكل قد قالوا ذلك ؛ لأن الأعداء مجبولون على القدح والطعن ، فإذا وجدوا مجالا لم يتركوا مقالا ] « 1 » . قوله تعالى : « مِنَ النَّاسِ » في محلّ نصب على الحال من « السفهاء » والعامل فيها « سيقول » ، وهي حال مبينة ، فإن السّفه كما يوصف به الناس يوصف به غيرهم من الجماد والحيوان ، وكما ينسب القول إليهم حقيقة ينسب لغيرهم مجازا ، فرفع المجاز بقوله : « من النّاس » ذكره ابن عطية وغيره . قوله : « ما وَلَّاهُمْ » « ما » مبتدأ ، وهي استفهامية على وجه الاستهزاء والتعجب ، والجملة بعدها خبر عنها و « عن قبلتهم » متعلّق ب « ولّاهم » ، ولا بد من حذف مضاف في قوله : « عليها » أي : على توجهها ، أو اعتقادها ، وجملة الاستفهام في محلّ نصب بالقول والاستعلاء في قوله : « عليها » مجاز ، نزّل مواظبتهم على المحافظة عليها منزلة من استعلى على الشيء ، واللّه أعلم . فصل في الكلام على التولّي ولّاه عنه : صرفه عنه ، وولى إليه بخلاف ولّى عنه ، ومنه قوله تعالى : وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ [ الأنفال : 16 ] وفي هذا التولّي قولان : المشهور عند المفسرين : أنه لما حولت القبلة إلى الكعبة عاب الكفار المسلمين ، فقالوا : « ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ » فالضّمير في قوله : « ما ولّاهم » للرسول - عليه الصلاة والسلام - والمؤمنين والقبلة التي كانوا عليها هي « بيت المقدس » . واختلفوا في تاريخ تحويل القبلة بعد ذهابه إلى « المدينة » فقال أنس بن مالك - رضي اللّه عنه - بعد تسعة أشهر أو عشرة أشهر « 2 » وقال معاذ : بعد ثلاثة عشر شهرا « 3 » ، وقال قتادة : بعد ستة عشر شهرا « 4 » . وعن ابن عباس والبراء بن عازب بعد سبعة عشر شهرا « 5 » ، [ وهذا القول أثبت عندنا من سائر الأقوال .

--> ( 1 ) سقط في ب . ( 2 ) ذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 1 / 263 ) عن أنس وعزاه للبزار . وأخرجه الطبري ( 3 / 135 ) . والحديث ذكره الهيثمي في « مجمع الزوائد » ( 2 / 13 ) وقال : رواه البزار وفيه عثمان بن سعد ضعفه يحيى القطان وابن معين وأبو زرعة ووثقه أبو نعيم الحافظ وقال أبو حاتم : شيخ . ( 3 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 3 / 136 ) عن معاذ بن جبل . ( 4 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 3 / 139 - 140 ) عن قتادة وذكره السيوطي في « الدر المنثور » . ( 5 ) أخرجه البخاري ( 8 / 132 ) ومسلم ( 1 / 148 ) والطبري ( 3 / 133 - 134 ) وأخرجه الطبري ( 3 / 133 ) وابن ماجة ( 1010 ) من طريق آخر عن البراء بن عازب أيضا .